.
عندما يسلب الانسان الطبيعة جمالها... سوسن الزغواني- مجلة ميم 
“قصدت رفقة العائلة شاطئ رفراف، كانت تلك المرة الأولى وكان أبي متحمسا لأنه سيأخذنا لاستكشاف مكان جديد ولأنه سمع كثيرا عن جمال رفراف وأهلها الطيبين. وصلنا الشاطئ أخذت ألعاب الرمال بيد وعوامتي في يدي الأخرى، مشينا طويلا نظرت يمنة فرأيت صخورا كثيرة على حافة البحر، استغربت وتساءلت “أين الشاطئ؟” فأجابني أبي: “هذا هو نحن على الشاطئ يا بسمة” وعلى بعد خطوات وجدنا رقعة صغيرة فيها رمال وكان المكان مكتظا. لا أنكر أني استمتعت بجمال البحر ونقاوته، لكني أدركت في ذلك اليوم، أن خيار أبي لم يكن موفقا لأنه يعرف أني أحب شاطئا رمليا شاسعا لألعب بالرمال وأبني قلعة وميناء وأغمر أخي بالرمال والماء”. 


 هكذا تذكرت بسمة فتاة من مدينة سجنان التابعة لمحافظة بنزرت زيارتها سنة 1998 إلى شاطئ الحماري بمدينة رفراف الساحلية الواقعة في الشمال التونسي الذي تلاشى نتيجة عوامل عدة. في أوائل ثمانينات القرن الماضي، اشتهرت رفراف بجمالها وصفاء بحرها، فجلبت أعين مصطافي تونس الكبرى وصارت قبلتهم المفضلة حتى أن الكثير منهم قاموا ببناء بيوت قريبة من الشاطئ “دار خلاعة” كما يصطلح عليها باللهجة التونسية ليعودوا إليها كل صيف أو يؤجرونها ويورثونها لأولادهم ثم أحفادهم. أما علموا بأن هذه المساكن مآلها الزوال بطول الزمن؟ أما سمعوا عن مضار البناء على حافة البحر على الطبيعة؟ ربما كانوا يعرفونها لكنهم لم يستجيبوا لنداء الطبيعة وكان مرادهم الوحيد الربح والاستفادة السريعة، ولم يفكروا في مضار ذلك على توازن النظم البيئية مع مرور الزمن وعلى مستقبل المنطقة، ففوت أصحاب الأراضي الفلاحية بمنطقة الحماري، المعروفة بغراسات الكروم، في أراضيهم بالبيع ومنهم من حول أرضه إلى مساكن ومقاهي ومطاعم لاستقطاب المصطافيين.
 المساكن تغيّب الشاطئ
أكد محمد علي التركي مسؤول في وكالة تهيئة وحماية الشريط الساحلي في تصريح لمجلة “ميم” أن في فترة السبعينات والثمانينات، كان هناك شاطئ رملي كبير في رفراف ولكن البناءات القريبة من البحر ورفع كميات كبيرة من الرمال لاستغلالها في عمليات البناء ساهم في الاخلال بتوازن الشاطئ فبدأ بالاندثارمنذ سنة 1990 ،



 وصرنا نسمع أقاويل من قبيل أن “رفراف جميلة لكن لا شاطئ فيها ولا تطيب فيها السباحة”. كما كان الشريط الساحلي لرفراف يشهد إنجرافا حادا بسبب نقص الرواسـب البحرية تحت تأثير العوامل الهيدروديناميكيـة المتكونة من الأمواج والتيارات البحرية. ولا ننسى تأثير التغيرات المناخية وارتفاع منسوب مياه البحر على التيارات البحرية ودورها في تلاشي الشاطئ الرملي برفراف. يتغذى الشاطئ عادة بالرمال من رواسب الأودية التي تصب في البحر، إلا أن هذه المصبات في شاطئ الحماري بها نتوءات صخرية تعيق سرعة التيارات ولا تسمح لحبات الرمال بالخروج إلى حافة البحر، هكذا فسر محمد علي التركي عوامل اندثار شاطئ الحماري.
برنامج حماية السواحل ينقذ رفراف من الانجراف

تأقلما مع التغيرات المناخية، وللحد من مشكل الانجراف البحري واندثار الشواطئ ارتأت وكالة تهيئة وحماية الشريط الساحلي وضع برنامج لحماية السواحل، ضمن استراتيجية تعاون تونسي ألماني وتم رصد اعتمادات كبرى لهذا الغرض. و “الحْماري” من بين الشواطئ التي شملها مشروع الوكالة التي عملت على استصلاح الشاطئ على طول حوالي 2 كم وبعرض يتراوح بين 30 م و55 م، بالاضافة إلى وضع سنبل من الحجارة يمتد تحت مياه البحر على ارتفاع 370 م ليمنع الرمال من الانجراف باتجاه الغابة.
قال المنسق الوطني لبرنامج حماية الشريط الساحلي محمد علي التركي، إن مشروع الحماري يعتبر من أكبر المشاريع عربيا وإفريقيا في مجال حماية الشواطئ، ويقوم على تغذية الشاطئ بحوالي 500.000 متر مكعب من الرمال الاصطناعية “مماثلة وربما أفضل من الرمال الموجودة في رفراف”، وفق تعبيره. وقد بلغت الكلفة الجملية للأشغال حوالي 18 مليون دينار، 70 % منها جاءت عن طريق هبة ألمانية و30 % تمويل من الدولة التونسية. وأكد أن برنامج حماية السواحل يعتبر انجازا كبيرا يحسب للوكالة، خاصة أن ميزانية الدولة لم تكن تسمح بانجاز مشاريع كهذه ولم تكن مسألة حماية الشواطئ أولوية. وذكر محمد علي التركي أن الأشغال متوقفة في فترة الاصطياف وستستأنف مع بداية شهر أيلول سبتمبر المقبل، حيث تم فرش 360 متر مكعب من الرمال إلى حدود يونيو- جوان على أن تنتهي موفى سنة 2018.
رفض من الأهالي وجمعية بيئية
رغم تأكيد منسق البرنامج على حرص المشروع على اختيار رمال مشابهة للرمال الطبيعية في الحماري، فقد واجه القائمون على المشروع مشاكل مع السكان المحليين لعدم تتطابق لون الرمال القديمة مع الجديدة.
كما جوبه المشروع بالرفض والتشكيك من طرف جمعية بيئة وتنمية مستدامة برأس الجبل. وحول هذا الموضوع تواصلت “ميم” مع نائب رئيس الجمعية أنيس التركي الذي أكد من جانبه أن “المقاول المكلف بالمشروع من طرف الوكالة لم يحترم كراس الشروط ولم يدرس نوعية الرمال ولا مسالك مرور عربات التزويد بالرمال”. وأضاف “الرمال ستختفي يوما ما نتيجة صبغة المشروع وطبيعة المنطقة والقائمين على المشروع يقرون بذلك وسيعدون برنامجا دوريا لإعادة جلب الرمال كلما جرفها البحر”، مؤكدا أنه تم إقصاء الجمعيات البيئية كليا من أي اجتماع يخص هذا المشروع من قبل انطلاقه. وعلل ممثل “جمعية بيئة وتنمية مستدامة” رفضهم بأن “هذه المشاريع ملائمة لمناطق سياحية تشهد دورة إقتصادية بالمليارات في الأسبوع الواحد، ولكن الحمارى لا تتجاوز عجلتها الاقتصادية عشرات الملايين في الأسبوع”، بالاضافة إلى أن “الرمال الاصطناعية جعلت مياه البحر تتخذ لونا طينيا ويمكن لهذه الرمال والتي تحتوي على نسبة من الطين أن تصبح شديدة الصلابة بمفعول الحرارة والشمس”. في ذات السياق، اقترحت الجمعية إحداث لجنة للنظر في الهبات والقروض ودراسة جدواها. وطالبت بالاطلاع على ملف الانعكاسات على المحيط لهذا المشروع. كما تم طلب مراجعة المشروع من ناحية ملاءمته مع حاجيات التنمية في المنطقة.
وطالبت الجمعية بالاطلاع على ملف المشروع الذي يشمل عقد الهبة وفصوله ومقدار الهبة ومنوالها، إلا أنهم فوجئوا بموقف اقصائي من طرف ممثل وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي خلال اجتماع في فضاء المعتمدية، وفق ما صرح به أنيس التركي. ردا على موقف جمعية بيئة وتنمية مستدامة قال منسق المشروع، إن “لهم الحق في ابداء رأيهم من منظورهم الخاص، لكن كان هدفنا الأول هو حماية المنشآت والأراضي والمساكن القريبة من الشاطئ من كارثة في الأفق ومن خطر الانجراف البحري”، معتبرا أن المداخيل الاقتصادية ستأتي وسيزيد اقبال المصطافين من كامل ولاية بنزرت ومن تونس الكبرى باتجاه رفراف. الصيف المقبل ستعود بسمة مع عائلتها وطفلتها إلى رفراف وقد استعاد الشاطئ رماله وجماله ولن تسأل ابنتها سؤالها “أين الشاطئ؟”.
المصدر مجلة بكم
.