معتمدية رأس الجبل إحدى معتمديات الجمهورية التونسية، تابعة لولاية بنزرت. تقع مدينة رأس الجبل في أقصى الشمال للبلاد التونسية على الضفاف الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط مما  جعلها تحتل مكانة استراتيجية بارزة أهلتها لأن تكون منطقة استقطاب بشري وعمراني عبر مئات السنين. يمكننا أن نضبط بكل دقة تاريخ تأسيس مدينة رأس الجبل فجذورها ضاربة في عمق تاريخ البلاد التونسية. لكن الأكيد أن العوامل الطبيعية الملائمة والتي أوجز وصفها محمد الحشايشي سنة 1904 في كتابه العادات والتقاليد التونسية حيث يقول «وأغلب جهات القطر (التونسي) سليمة الهواء، موافقة للصحة، وفي جهات حسنة الهواء جدا نافعة للمرضى ولو بمرض السل... من هاته الجهات الحسنة المشهورة المكان المعروف برأس الجبل، وهو جهة الشمال من القطر بقرب شاطئ البحر تبعد القرية التي هي مركز عن البحر نحو أربعة أميال، والبحر من شمالها، وهو على سفح جبل منخفض رملي تحف بها بساتين ناظرة إلى البحر، تسقى بآبار ماء حلو جيد نقي، وعلى شاطئ البحر عين ماء عذبة ضعيفة الجريان، لكنها نابعة من الصخر، حلوة جدا، نقية مسرعة للهضم...».
هذه العوامل الملائمة جعلت المنطقة محط استقرار بشري منذ الألف الأول قبل الميلاد ولعل أبرز شاهد تلك البقايا الأثرية البونية والرومانية التي لا تزال قائمة في محيط المدينة.
أما عن التجمع العمراني الذي كون نواة المدينة الحالية فإنه يعود على الأرجح إلى القرن 12 م (6 هـ). فحسب الرواية المتواترة يرجع أصل التأسيس إلى مهاجرين أندلسيين قدموا بحرا إثر سقوط مدينة سرقسطة سنة 1112 م (512 هـ) ولا تزال الذاكرة تحتفظ بشواهد على هذا الترابط من خلال مقام الشيخ سيدي عبد الله اللخمي السرقسطي المتوفي سنة 1305 م (701 هـ).
ولقد تواصل التوافد البشري على المدينة مع قدوم روافد أندلسية منذ القرن 15 م حيث توسعت المدينة وأسست حومة القصر التي يتوسطها أحد أعرق المعالم الدينية بالمدينة وهو الجامع الكبير أو جامع القصر والذي يعود تاريخ افتتاحه حسب نقيشة كانت تعلو محرابه إلى فاتح رمضان 904 هـ..
وتواصل التمازج البشري والحضاري في رأس الجبل خلال الفترة الحديثة مع قدوم عناصر تركية فكان أن أصبحت المدينة تضم عناصر بشرية متعددة عربية، بربرية، أندلسية، تركية. مدينة الزوايا ولقد وردت في المصادر أكثر من إشارة إلى بلد رأس الجبل خلال القرن السابع عشر ميلادي حيث يقول الوزير السراج كان في أهلها « أناس لهم ميل إلى الصلاح ونشب بأذيال أهل العلم والفضل»، وخلال القرن 18 و19 م ازداد النسيج العمراني ثراء من خلال تشييد عدد هام من المقامات والزوايا فاق عدد 30، ولعل الأبرز منها تلك التي لا تزال موجودة إلى الآن مثل زاوية سيدي العربي بن حمو الفاسي وزاوية السيدة العجولة وزاوية الشيخة البيّة وزاوية سيدي بنعيسى التي تعتبر أكبر زوايا الطريقة العيساوية في منطقة بنزرت، وكذلك زاوية سيدي علي عزوز وهي حسب المصادر أول زاوية لهذا الشيخ الصالح خارج مدينة زغوان.

تاريخ المدينة

لا يمكن تحديدا وضع تاريخ ثابت لسنة تأسيس المدينة و لكن يمكننا أن نقسم تاريخها إلى حقبتين أساسيتين : الحقبة الأولى و تتمثل في المدينة التاريخية القديمة التي قامت على أنقاضها ما تعرف اليوم بمدينة رأس الجبل و يرجح أنها تأسست في الألفية الأولى قبل الميلاد و عرفت بإسم "تينيزا" أو "تونيسا" و شهدت إزدهار نسبي و أخرجت شخصيات تاريخية منسية مثل السانت رستيتوت دي تينيزا و من الممكن أن هذه المدينة قد إندثرت مع مرور المئات من السنوات و يبقى إسمها التقليدي مذكور في عديد الخرائط و الكتب التاريخية حتى القرن السادس عشر و السابع عشر للميلاد. أما عن الحقبة الثانية فهي حقبة تأسيس رأس الجبل الحديثة التي تعود للقرن الثاني عشر إثر هجرة مجموعة من السرقسطيين بحرا بعد سقوط مدينتهم الأندلسية و عرفت المدينة منذ ذلك التاريخ توافد بشري أساسا من الأندلس و العرب و الأتراك و البربر إلى يومنا الحالي و لم يقتصر على المسلمين منهم فقط بل ضمت أقليات يهودية و مسيحية حتى منتصف القرن العشرين حيث تسببت الأزمة الفلسطينية في رحيلهم رغم أنه من المرجح وجود البعض من هذه العائلات التي يزور أبناءها مدينتهم الأم خاصة في الصيف حيث يزدهر قطاع السياحة و التجارة. و يذكر أن آخر معركة في الحرب العالمية الثانية شهدتها تونس قد وقعت في رأس الجبل و أنتهت بإنتصار الحلفاء و إستسلام الألمان و بذلك إنسحبت ألمانيا النازية من التراب التونسي.


الثقافة
يتميز سكان رأس الجبل بلهجة خاصة تميزهم عن غيرهم و تتميز هذه اللهجة البلدية بقربها الكبير للغة العربية الفصحى و تضم كلمات مشتقة من اللغة البربرية و الأندلسية و الفرنسية و حتى الإيطالية. كمعظم المدن التونسية , تتميز رأس الجبل بعادات و تقاليد خاصة تبرز في الأفراح و الإحتفالات و الطبخ عامة.

اترك تعليقك ، أضف تعليقك